ابن حزم
396
الاحكام
في أحكام الديانة ، إلا ما نقلنا عنه نص جلي وبالله تعالى التوفيق ، وهذا ما لا يجوز خلافه ، والله الموفق للصواب . فصل من الخطاب الوارد بلفظ الجمع قال علي : وإذا ورد لفظ بصورة جمع وقدر على استيعابه ، فلا بد من استيعابه ضرورة ، وإلا فقد صحت المعصية وخلاف الامر ، فإن لم يقدر على ذلك ولم يكن إلى استيعابه سبيل ، فللناس قولان : أحدهما ، أنه واجب أن يؤدي من ذلك ما أمكن ، وما انتهى إليه الوسع ، ولا يسقط عنه إلا ما عجز عنه أو ما قام نص أو إجماع بسقوطه ، وبهذا نأخذ ، وقالت طائفة : لا يلزم من ذلك إلا أقل ما يقع عليه اسم ذلك الجمع ، وهو ثلاثة فصاعدا ، وما زاد على ذلك فليس فرضا . قال علي : والحجة للقول الأول هي حجتنا على القائلين بالخصوص أو الوقف وقد لزم عموم ذلك الجمع بيقين ، فلا يسقط بشك ولا بدعوى ، فأما ما عجز عنه فساقط ، وأما ما لم يعجز عنه فباق على وجوب الطاعة له ، ويبين ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم . قال علي : فمن ذلك قول الله عز وجل : * ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) * الآية وقوله تعالى * ( الوصية للوالدين والأقربين ) * فنقول إن الامام القادر على استيعاب جميع مساكين المسلمين وفقرائهم وغازيتهم وسائر الأصناف المسماة ، ففر ض عليه استيعابهم ، وأما من عجز عن ذلك فمن دونه ، فقد أجمعت الأمة بلا خلاف على أن له أن يقتصر على بعض دون بعض ، ودل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لزينب امرأة عبد الله بن مسعود إذ سألته أيجزي عني أن أتصدق على زوجي وولدي منه من الصدقة فقال عليه السلام : نعم . قال علي : فبهذه النصوص صرنا إلى هذا الحكم ، والاستيعاب والعموم معناهما واحد ، وهذا كله من باب استعمال الظاهر ، والوجوب ، وقد رام قوم أن يفرقوا بين الاستيعاب والعموم ، وهذا خطأ ولا يقدرون على ذلك أبدا ، وقال هؤلاء القوم : العموم لبعض ما يقع عليه الاسم عموم ذلك الجزء الذي عم به . قال علي : فيقال لهم : وكذلك الاستيعاب لبعض ما يقع عليه الاسم استيعاب لذلك الجزء الذي استوعب به ولا فرق .